أحمد بن علي القلقشندي

90

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

ممّن لحا ( 1 ) وممّن لم يلح ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وأصحابه أهل الوفاء والصّفاء والصّفاح والصّفح ، والَّذين جاهدوا في اللَّه حقّ جهاده بالنّفس والمال والكدّ والكدح ، ورفعوا أعلامهم المظلَّلة ، ونصبوا أقلامهم المعدّلة ؛ فكم لهم في المشركين من جراح لا تعرف الجرح ، وذادوا عن حوزة الدّين ، بإراقة دم الكفّار المتمرّدين ، فحسن منهم الذّبّ والذّبح ، وكانوا فرسان الكلام ، وأسود الإقدام ، الَّذين طالما خسأت بهم كلاب الشّرك فلم تطق النّبح ، صلاة دائمة باقية الصّرح ، ما اقترن النّظر باللَّمح ، وما هطل السّحاب بالسّح ( 2 ) ، وسلَّم تسليما كثيرا . وبعد ، فإنّ أولى من خطبت المناصب العليّة ، محاسنه الجليلة الجلية ، ورغبت المراتب الَّتي هي بالخير حريّة ، في جميل حالته الَّتي هي بعقود المفاخر حليّة ، وسحبت سحائب الإقبال الوابليّة ، ذيول فضائله الفاضليّة ، واكتسب العلوم الفرعيّة والأصليّة ، من مجاميع فنونه الَّتي تعرب عن أنواع الفوائد الجمليّة والتّفصيليّة - من شهدت المفاخر بأنّه لم يزل الشّهيد لها وابن الشّهيد ، وحمدت المآثر الَّتي هو الشّهير بها فما عليها في جميل الأدوات من مزيد ، وتشيّدت مباني معاليه الَّتي اقترن باب خيرها منه بالفتح المبين ، وتمهّدت معاني أماليه بالتّخيّل اللَّطيف واللَّفظ المتين ، وتعدّدت أوصاف شيمه فهي لمحاسن الدّهر تزيد وتزين ، وغدا من الكاتبين الكرام والكرام الكاتبين ، الذين تضح باطَّلاعهم مراصد المقاصد وتبين . طالما اتّسق عقد نظمه المتين ، وبسق غصن قلمه المثمر بالدّين ، وأضاف إلى أدب الكتاب حلية العلماء المتقنين ، وارتقب أفعال الجميل الَّتي استوجب بها حسن التّرقّي إلى أعلى درجات المتّقين ، وقلَّد أجياد الَّطروس جواهر ألفاظه الَّتي تفوق الجوهر عن يقين ؛ فهي بنضار خطَّه مصوغة أبهج صياغة ، وفي طريق الإنشاء سالكة نهج

--> ( 1 ) لحاه : لامه وعذله . ( 2 ) السّح : الانصباب الكثير المتتابع .